ابن ميمون
169
دلالة الحائرين
أما إذا فرض بالقوة فهو شيئان ضرورة ، العقل بالقوة والمعقول بالقوة ، كانّك قلت هذا العقل الهيولاني الّذي في زيد هو عقل بالقوة . وكذلك هذه الخشبة معقولة بالقوة ، وهذان شيئان بلا شك ، فإذا خرج للفعل وحصلت صورة الخشبة معقولة بالفعل ، حينئذ تكون الصورة المعقولة هي العقل ، وبذلك « 1925 » العقل بعينه الّذي هو عقل بالفعل ، جرّدت وعقلت ، لان كل ما له فعل موجود فهو موجود بالفعل ، فكل عقل بالقوة ومعقول بالقوة ، هما اثنان وكل ما هو بالقوة ، فلا بد من موضوع حامل تلك القوة ، كالإنسان مثلا ، فتصير هنا ثلاثة أشياء : الانسان الحامل تلك القوة ، وهو العاقل بالقوة ، وتلك القوة ، وهي العقل بالقوة ، والشيء المعدّ ليعقل ، وهو المعقول بالقوة ، كأنك قلت في هذا المثل ، الانسان والعقل الهيولاني وصورة الخشبة ، وهذه ثلاثة معان متباينة ، فإذا حصل العقل بالفعل صار ثلاثة معان واحدة فلا تجد ابدا ؛ العقل شيئا والمعقول شيئا آخر ، إلا إذا أخذا / بالقوة . ولما تبرهن أن اللّه عز وجل ، هو عقل بالفعل ولا قوة فيه أصلا ، كما بان ، وكما يتبرهن فلا يكون تارة يدرك وتارة لا يدرك ، بل هو عقل بالفعل دائما لزم أن يكون هو وذلك الشيء المدرك شيئا واحدا وهو ذاته ، وفعل الإدراك نفسه الّذي به يقال عاقل « 1926 » هو نفس العقل الّذي هو ذاته ، فهو عقل وعاقل ومعقول ابدا . فقد بان / أن كون العقل والعاقل والمعقول واحدا بالعدد ، ما هو في حق الباري فقط ، بل في حق كل عقل . وفينا أيضا العاقل والعقل والمعقول شيء واحد ، متى كان لنا عقل بالفعل ، لكن نحن نخرج من القوة إلى الفعل حينا بعد حين . والعقل المفارق أيضا ، اعني العقل الفعال ، قد يحصل له عائق عن فعله وان لم يكن العائق من ذاته بل خارجا عنه ، فهي حركة ما ، لذلك العقل بالعرض ، وما تبين هذا المعنى نقصد الآن ، بل القصد أن الأمر الّذي
--> ( 1925 ) وبذلك : ت ج ، وكذلك : ن ( 1926 ) عاقل : ج ن ، عاقلا : ت ،